هذا باب عظيم جعل الله فيه كل خير، فهو من أعظم أبواب استجلاب البركات، وتنزل الرحمات، وتتابع الأرزاق، وكشف الكربات، وقضاء الحاجات، وإعطاء السؤالات، واستجابة الدعوات، وتكفير السيئات، وروفع الدرجات، والفوز بالغرف والجنَّات.
ولكن مع هذا يغفل عنه كثير من الناس إلا من رحم الله -تعالى-، واصطفاهم من خلقه.
قال -تعالى-: ﴿وَلَو أَنَّ أَهلَ القُرى آمَنوا وَاتَّقَوا لَفَتَحنا عَلَيهِم بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالأَرضِ وَلـكِن كَذَّبوا فَأَخَذناهُم بِما كانوا يَكسِبونَ ﴿٩٦﴾ [سورة الأعراف].
ذكر الله -تعالى- قبل هذه الآية أحوال الأقوام السابقة مع أنبيائهم، فلمَّا كذَّبوا وأعرضوا وحادّوا الله ورسلَه أخذهم العذاب بغتة، فذكر -تعالى- أنَّ أهل القرى، لو آمنوا بقلوبهم إيمانًا صادقًا صدّقته الأعمال، واستعملوا تقوى اللّه -تعالى- ظاهرًا وباطنًا، بترك جميع ما حرم اللّه، لفَتح عليهم بركات السماء والأرض، فأرسل السماء عليهم مدرارًا، وأنبت لهم من الأرض ما به يعيشون وتعيش بهائمهم، في أخصب عيش وأغزر رزق، من غير عناء ولا تعب، ولا كد ولا نصب، ولكنهم لم يؤمنوا ويتقوا (فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) بالعقوبات والبلايا ونزع البركات، وكثرة الآفات، وهي بعض جزاء أعمالهم، وإلا فلو آخذهم بجميع ما كسبوا، ما ترك عليها من دابة، {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [سورة الروم] .
- قال علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: "التقوى: العمل بالتنزيل، والخوف من الجليل، والرضا بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل".
- قال عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-: "تقوى الله أن يُطاع فلا يُعصى، ويُذكر فلا يُنسى، وأن يُشكر فلا يُكفر".
- قال طَلق بن حَبيب -رحمه الله-: "إذا وقَعت الفِتنة، فأطفِؤوها بالتَّقوى، قالوا: وما التقوى؟ قال: أنْ تَعمل بطاعةِ الله على نُور من الله، تَرجو ثوابَ الله، وأن تَترك مَعصيةَ اللهِ على نُورٍ من الله تَخاف عقابَ الله".
- والتقوى لها تعريفاتٌ كثيرة، كلها يدور حول معنى واحد فقط، وهو: أن تَجعل بينك وبَين عَذاب الله وِقاية، وذلك بِفعل المأمُور واجتناب المحظور، فالتقوى من أعظم الأسباب التي تقود المؤمنَ إلى حُسن الخاتمة.
- فالتَّقوى سببٌ لتكفير السيِّئات، ومَغفرة الذُّنوب.
- التقوى تُخرج العبد من كل ضيق وألم، وهي سبب لزيادة البركة في العُمر والرزق، قال -تعالى-: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّـهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا ﴿٢﴾ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّـهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّـهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّـهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ﴿٣﴾ [سورة الطلاق].
- التقوى سبب لتكفير السيئات ونماء الحسنات، قال -تعالى-: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّـهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا ﴿٥﴾ [سورة الطلاق].
- التقوى أصلح للعبد وأجمع للخير، وأعظم للأجر، وهي الجامعة لخيري الدنيا والآخرة، الكافية لجميع المهمات.
- التقوى هي خير ضمانة نحفظ بها أولادنا ومستقبل أبناءنا من بعدنا، فالمتقي يحفظ الله -تعالى- ذريته من بعده، قال -تعالى-: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّـهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ﴿٩﴾ [سورة النساء].
- التقوى هي أجمل لباس يتزين به العبد، قال -تعالى-: ﴿يا بَني آدَمَ قَد أَنزَلنا عَلَيكُم لِباسًا يُواري سَوآتِكُم وَريشًا وَلِباسُ التَّقوى ذلِكَ خَيرٌ ذلِكَ مِن آياتِ اللَّـهِ لَعَلَّهُم يَذَّكَّرونَ ﴿٢٦﴾ [سورة الأعراف].
- التقوى طريق إلى الجنة، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول ﷺ: "وما أكثرُ ما يُدخِلُ الجنَّةَ؟ تقوى اللهِ وحُسنُ الخُلُقِ".
وأخيًرا، لا ننسى أن نكثر من الدعاء: "اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَن زَكَّاهَا".