ليس عيبًا أن تصادف من يخالفك في تفكيرك واعتقادك.
ولست في أسوأ مكان في العالم إن كنت تعمل مع من هم لا يتفقون مع آرائك واهتماماتك.
ولكن العيب أن تنخرط في أهوائهم، وتتَّبعهم وكأنَّك لا وجود لك ولا كيان.
قد تكون في مكان عملك، أو ربما بين أهلك، تحمل مبادئ إسلامية سامية، وأخلاقًا رفيعة مستمدة من دينك الإسلامي الحنيف، وغيرك قد تاه مع من تاه وضلَّ مع أهل الأهواء والضلال -والعياذ بالله-.
فأين المفر في هذا الحال؟
وكيف تتمسك بمبادئك ولا تذوب في ضلالات من حولك؟
في الجزء الشمالي من المغرب الممتد على ساحل البحر المتوسط والمسمَّى بالري، وفي قرية (أجدير) ولد محمد بن عبد الكريم، في صفر 1300هـ، ديسمبر 1882م، من أسرة تتمتع بمكانة كبيرة في العلم والدين والشجاعة، فوالده عبد الكريم زعيم الريف الأوسط وزعيم قبيلته (بني ورياغ) وهو عالم أيضًا شغل منصب القضاء.
نشأ محمد في عصر كانت الدول الاستعمارية (بريطانيا، فرنسا، أسبانيا، إيطاليا) في حالة هيستيرية في التنافس لاحتلال ما يقدرون عليه من أفريقيا وآسيا، وأحيانًا يتقاسمون الحصص، فقد أذنت بريطانيا لأسبانيا في احتلال منطقة (الريف)، وكان والده يراقب هذه الأحداث، وهو مصمم على مقاومة هذا الاحتلال، ويُعِدّ ولدَه الأكبر لهذا الأمر، فأرسله إلى مدينة فاس لتلقي العلم الشرعي -لاحظ أخي القارئ أنه أولًا أعطى ولده حاجبًا واقيًا من شرِّ ما حوله، وهو الدين الشرعي، فهو مبدأه وعقيدته وهويته-، ثم إلى مدينة (مليلة) لتعلم اللغات الأجنبية، وحتى يستطيع التعرف على الأسبان من داخلهم، -للأب هدف عالي وسامي لتعلم اللغات، وليس الانبهار بالغرب-، ثم سمح له والده بالعمل معهم -فلم يكن الهدف هو الانخراط معهم والذوبان في ضلالاتهم-، فوقف على خططهم وعقلياتهم وأخلاقهم، وبقي معهم ثلاث عشرة سنة، كانت كما قال له ضابط أسباني: "كموسى في قصر فرعون"، ولم يكن مهتمًا بالعمل معهم، ولكن والده كان يريد كسب الوقت، وكان الأسبان يدارونه، ويحاولون كسب صداقته.
وبدأ عبد الكريم يجمع قبائل الريف ويبيِّن لهم أهمية الاتحاد على الحقِّ والدفاع عنه، ويبين لهم خطر الاستعمار الذي جاء لينهب خيرات المسلمين ويتحكم فيه، فالمستعمر لا يعرف قيمة لدين أو خلق، وشرح لهم الدين الإسلامي بطريقة مبسطة، واستطاع -بفضل الله- إقناعهم وربطهم بالله -تعالى-، فتغيرت معالم الحياة من أساسها، والتفت إلى الجانب المادي وأقنعهم بأهمية الزراعة وتشجير الأرض، واستجاب الناس لهذا القائد الشجاع المتواضع الذي يعيش معهم ولا فرق بينهم وبينه -وهذه صفات القائد والمربي الناجح-، وبهذا المجتمع المتواضع قاتل دولتين لمدة ستة سنوات، تحت ظروف مروِّعة من الحصار الاقتصادي والأسلحة الفتَّاكة.
يقول عنه الصحفي الأمريكي (فانسنت شين) بعد أن قابله في أحد الخنادق مدافعًا عن عاصمته (أجدير) ضد الغزو الأسباني- الفرنسي: "وصلت وسط عجيج من الغارات الجوية التي تقوم بها الطائرات الفرنسية والأسبانية، ودخلت على عبد الكريم في خندق بالخط الأمامي، إنَّ روعة شجاعته لا حدَّ لها، إيمانه بعقيدته لم يتغير على الرغم من الأخطار المحدقة به، إنَّ هالات السمو والجلال تحيط به، وتزداد عظمته مع ظروف الرعب والخطر الذي يحدق به، إنَّه لا يزال مرحًا باسمًا ، ليتني كنت أستطيع البقاء معه مدة أطول هنا، لأزداد تأملًا وتفكيرًا، ولأتعمق في دراسة هذه الظاهرة البشرية الفريدة أمامي " .
فهنيئًا لك يا عبد الكريم أنَّك تحصَّنت بعقيدتك وحملتها معك أينما رحت وغدوت؛ فكانت حصنًا حصينًا لك من الانخراط في متاهات أهل الضلال والباطل، هنيئًا لك أنْ تمسكت بعقيدتك ودينك فكانت نورًا لك في أكثر المواطن ظلامًا، هنيئًا لك ذلك النور الإيماني الذي جعلك ظاهرة بشرية نادرة.
لا يمكن أن نلقي فلذات أكبادنا في البحر وهم لا يجيدون السباحة ولا يعرفونها، ولا تطاوعنا قلوبنا أن نرميهم في الغابات حيث الحيوانات المفترسة ليتعلموا الشجاعة؟
فعجبًا لمن يلقي بابنه في أحضان المدارس الغربية، ولا يُمكِّنه من دينه ولغته وعقيدته وتميز شخصيته، فأنَّى لهذا الطفل أن ينجو إلا أن تتداركه رحمة الله.
فكم من القصص التي سمعنا ورأينا... ثم نقول: الغرب يعرفون كيف يربون؟
قالت لي أم ألقت بفلذة كبدها في إحدى هذه المدارس: كنت أعتقد أن ابني سيكون مخترعًا كبيرًا، عالمـًا يُشار إليه بالبنان، فإذا هو لا يعرف أن يقرأ القرآن، ولا يجيد إلا تاريخ شكسبير، ولا يعلم إلا لغة الخداع والمراوغة، أما الألفاظ فلا تسأل عنها.
فما استطعت ضبطه حتى أخرجته من هذه البيئة لأجمع ما بقي منه من بقايا الفطرة.
فمتى نعقل؟
تواصلت مع أسرة أجبرتها الظروف أن تهاجر من بلاد المغرب إلى أوروبا، ولكن الأب الواعي كان حريصًا أشد الحرص على تربية أبنائه، فأول ما بدأ معهم منذ نعومة أظفارهم أن علمهم العقيدة، واهتم باللغة العربية والمحافظة عليها، فرضعها أبناؤه منذ الطفولة، وكان حفظهم القرآن من أهم الوسائل لحفظها، علَّمهم كتاب (قطر الندى) في النحو، وكان يكلمهم العربية الفصحى في المنزل، فأنَّى لهم أن يجهلوها أو يستبدلوها؟!