من الطبيعي أن يملك كل إنسان في حياته شيئًا ذا قيمة، عزيزًا إلى قلبه، غاليًا عنده، يخاف عليه، ويبذل الغالي والنفيس للاحتفاظ به، فما أعظم ما نملكه في حياتنا، ونبذل لأجله الرخيص والغالي، بل أعمارنا فداءً له، فما هو؟
إنَّ أبناءنا أعز ما نملك، ولعل سعينا في الدنيا من أجلهم، قد نضحي براحتنا وأعمارنا كلها من أجلهم، وهذا الحب وتلك التضحية فطرنا الله -تعالى- عليهما، وهي رحمة مهداة إلينا من ربِّ العالمين الذي خلقنا، وهو أعلم بضعفنا وحاجتنا.
وأنت أيها الأب المضحي وأنت أيتها الأم المتفانية، ألست تريدين الأفضل لأبنائك؟ ألستما تبحثان لهما عن السعادة؟
ألست تتمنيان أن يكونوا أفضل من في هذا العالم؟
أتفق معكما بهذه الأمنيات، ولعلَّنا لا نتفق أحيانا بماهيتها والوصول إليها!
فماذا يعني لك أنَّ ابنتك غالية ثمينة؟
ماذا يعني لك أن تكون ابنتك في سعادة وهناء؟
لقد أحب النبي ﷺ بناته -رضوان الله عليهن-، وكانت فاطمة -رضي الله عنها- أصغرهن، وهي الوحيدة من ذريته التي ماتت بعده ﷺ، فاطمة التي قال ﷺ لها: "أَمَا تَرْضَيْنَ أنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ أهْلِ الجَنَّةِ -أوْ نِسَاءِ المُؤْمِنِينَ-؟ فَضَحِكْتُ لذلكَ" .
فاطمة -رضي الله عنها- التي خطبها علي -رضي الله عنه-، ونترك له ما كان في أمر خطبتها: قال: "تزوجت فاطمة رضي الله عنها، فقلت: يا رسول الله! ابْنِ بِي (اسمح لي بالدخول بها)، قال: (أعطها شيئًا) قلت: ما عندي من شيء، قال: (فأين دِرْعُكَ الْحُطَمِيَّة؟) قلتُ: هي عندي، قال: (فأعطها إياه)". فاطمة سيدة نساء الجنة، مهرها (درع)، قيمتها أربعة دراهم، كما جاء في دلائل النبوة للبيهقي.
وها هو الفاروق -رضي الله عنه- -الذي وافق الوحي في عدة مواضع في القرآن- يقول: "لاَ تغالوا صداقَ النِّساءِ، فإنَّها لو كانت مَكرمةً في الدُّنيا أو تقوًى عندَ اللهِ، كانَ أولاَكم وأحقَّكم بِها محمَّدٌ ﷺ، ما أصدقَ امرأةً من نسائِهِ، ولاَ أصدقتِ امرأةٌ من بناتِهِ أَكثرَ منَ اثنتي عشرةَ أوقيَّةً، وإنَّ الرَّجلَ ليثقِّلُ صدقةَ امرأتِهِ، حتَّى يَكونَ لَها عداوةٌ في نفسِهِ، ويقولُ: قد كلفتُ إليْكِ علقَ القربةِ، أو عرقَ القربة".
فكم من أُسر تعسَّرت معيشتها بعد الزواج، لكثرة التكاليف التي اُنفقت للمضاهاة والتفاخر!
هذه امرأة يبدو عليها الحاجة إلى الاستقرار في بيت زوج مناسب، يحفظها من أقاويل الناس إن بقيت دون زوج أو معيل، فهي تعيش في وحدة ووحشة، إن كان لها أب وأخوة وأرحام يحوطونها ويدفعون عنها حوائجها، ولكن هؤلاء لا يملؤون مكان الزوج الذي يحن عليها، ويهتم بها وتهتم به، ويسكن إليها وتسكن إليه، ويملأ بيتها هناءة وسعادة، وتحفظه في بيته وماله في حضوره وغيابه، جاءت إلى النبي ﷺ الذي قال فيه ربُّ العزة: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ﴿٦﴾ [سورة الأحزاب]، فَقالَتْ : "يا رَسولَ اللَّهِ، جِئْتُ لأهَبَ لكَ نَفْسِي، فَنَظَرَ إلَيْهَا رَسولُ اللَّهِ ﷺ فَصَعَّدَ النَّظَرَ إلَيْهَا وصَوَّبَهُ، ثُمَّ طَأْطَأَ رَأْسَهُ، فَلَمَّا رَأَتِ المَرْأَةُ أنَّه لَمْ يَقْضِ فِيهَا شيئًا جَلَسَتْ، فَقَامَ رَجُلٌ مِن أصْحَابِهِ، فَقالَ: أيْ رَسولَ اللَّهِ، إنْ لَمْ تَكُنْ لكَ بهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا، فَقالَ: هلْ عِنْدَكَ مِن شيءٍ؟ قالَ: لا واللَّهِ يا رَسولَ اللَّهِ، قالَ: اذْهَبْ إلى أهْلِكَ فَانْظُرْ هلْ تَجِدُ شيئًا فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ، فَقالَ: لا واللَّهِ يا رَسولَ اللَّهِ ما وجَدْتُ شيئًا، قالَ: انْظُرْ ولو خَاتَمًا مِن حَدِيدٍ، فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ، فَقالَ: لا واللَّهِ يا رَسولَ اللَّهِ ولَا خَاتَمًا مِن حَدِيدٍ، ولَكِنْ هذا إزَارِي -قالَ سَهْلٌ: ما له رِدَاءٌ- فَلَهَا نِصْفُهُ، فَقالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ: ما تَصْنَعُ بإزَارِكَ؟ إنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا منه شيءٌ، وإنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ منه شيءٌ فَجَلَسَ الرَّجُلُ حتَّى طَالَ مَجْلِسُهُ، ثُمَّ قَامَ، فَرَآهُ رَسولُ اللَّهِ ﷺ مُوَلِّيًا فأمَرَ به فَدُعِيَ، فَلَمَّا جَاءَ قالَ: مَاذَا معكَ مِنَ القُرْآنِ؟ قالَ: مَعِي سُورَةُ كَذَا وسُورَةُ كَذَا وسُورَةُ كَذَا -عَدَّدَهَا- قالَ: أتَقْرَؤُهُنَّ عن ظَهْرِ قَلْبِكَ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: اذْهَبْ فقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بما معكَ مِنَ القُرْآنِ".
"انظر ولو خاتم من حديد"، يريد الرسول ﷺ أن يشعر الرجل بأهمية الزواج، وأنَّه بهذا المهر -وإن قَلَّ- سيصبح مسؤولًا عن بيته، وعليه أن يتعب ويكد في سبيله.
إذن فالرجل ليس فقيرًا ففي قلبه كنوز وكنوز رائعة وفيرة، وببركة هذا الكنز المحفوظ في صدره ييسر الله -تعالى- له أمر ويرزقه من حيث لا يحتسب، ومن هذا الكنز تبدأ أسرة مسلمة جديدة تشق حياتها وسط المجتمع المسلم وأول لبناتها (سور من القرآن)، فيصعد البناء، وتكون أسرة من زوج وزوجة يفتح الله -تعالى- عليهما من بركاته، ببركة هذا الكنز العظيم (القرآن)، ويرزقهما الذرية الصالحة ببركة هذا الكنز العظيم (القرآن) ويصلح لهما حالهما ببركة هذا الكنز العظيم (القرآن)، قال -تعالى-: ﴿وَهـذا كِتابٌ أَنزَلناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعوهُ وَاتَّقوا لَعَلَّكُم تُرحَمونَ ﴿١٥٥﴾ [سورة الأنعام].
فما أعظمه من كنز ينفع صاحبه في الدنيا والآخرة، فهل سعينا للفوز به؟
وهل سعينا أن يكون جزءًا من حياتنا وحياة أبنائنا؟
وها سعينا أن يكون قائدًا وموجهًا للمجتمع من حولنا؟
ها نحن في شهر القرآن، فماذا فعلنا؟