ومن يؤمن بالله يهد قلبه

ومن يؤمن بالله يهد قلبه

-- كوثر سامي عبد الرحيم التايه --

عجيبة هذه الدنيا ترفع أقوامًا أيامًا ثم تضعهم، قد تسعد فيها أحيانًا كثيرة، ولكنها قد تعطيك وتعطي غيرك جرعة من الألم قد يصعب نسيانها، ونحن نريدها على صفو وفرح، ولكن حقيقتها ليست مثل الذي نريد:

جُبلت على كدر وأنت تريدها *** صفوًا من الأقذاء والأقذار

فكيف نفعل وقد وُجدنا فيها دون إرادة منا، ونخرج منها قهرًا عنَّا، لكن الله -تعالى- الذي خلقك وصوَّرك وأكرمك، لم يتركك سدى تتخبط في ظلمات الضياع، وطرق الضلال، بل بيَّن لك طريق الدنيا وما فيها، قال -تعالى-: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴿٢﴾ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّـهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ﴿٣﴾ [سورة العنكبوت].

فقد أخبرنا -تعالى- عن تمام حكمته، وأنَّ حكمته لا تقتضي أنَّ كل من قال إنَّه مؤمن، وادَّعى لنفسه الإيمان، أن يبقى في حالة يسلم فيها من الفتن والمحن، لأنَّه لا بُدَّ أن يتميز الصادق من الكاذب، والمحق من المبطل، وسنته -تعالى- في الأولين والسابقين وفي هذه الأمة، أن يبتليهم بالسرَّاء والضرَّاء، والعسر واليسر، والمنشط والمكره، والغنى والفقر، وإدالة الأعداء عليهم في بعض الأحيان، ومجاهدة الأعداء بالقول والعمل، ونحو ذلك من الفتن، التي ترجع إلى فتنة الشبهات والشهوات، والدواعي للمعاصي والذنوب، وهنا يتبين الصادق من الكاذب .

ولكن لا تعتقد أنَّ الله -تعالى- سيتركك بلا معونة وصبر، بل أعطاك ما يعينك على الصبر والرضى، لأنَّه -سبحانه- أعلم بك من نفسك، وأقرب إليك من حبل الوريد، فانظر إلى قوله -تعالى-: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّـهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّـهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّـهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴿١١﴾ [سورة التغابن].

والآية كما هو ظاهر وبيِّن، تدل على أنَّه ما من مصيبة تقع، سواء كانت في النفس أم في المال أم في الولد ونحو ذلك، فكل ذلك بقضاء الله وقدره، وعلمه -سبحانه- وحكمته ومشيئته التي أرادها -سبحانه- له ملك السماوات والأرض والكل له عبيد، ولا يُسأل عمَّا يفعل -سبحانه- بما أجرى به القلم، ونفذت به المشيئة، واقتضته الحكمة، والشأن كل الشأن، هل يقوم العبد بما يجب عليه من عبودية الصبر والتسليم الواجبين، ثم الرضا عن الله -تعالى-، وإن كان الرضا مستحبًا.

وتأمل أيها المؤمن أنَّ الله -تعالى- علَّق هداية القلب على الإيمان؛ وهذا أصل الايمان أن يروِّض العبد نفسه على امتثال أمر الله -تعالى- في نزول المصائب وحلات الهلع والجزع.

جاء ختم هذه الآية بجملة: (وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)، وهذا الختم البديع بهذه الجملة: يزيد المؤمن طمأنينة وراحة من بيان سعة علم الله، وأنَّه -سبحانه وتعالى- لا يخفى عليه شيء مما يقع، وأنه -عزَّ وجلَّ- الأعلم بما يصلح حال العبد وقلبه، وما هو خير له في العاجل والآجل، وفي الدنيا وفي الآخرة، يقرأ المؤمن هذا وهو يستشعر قول النبي ﷺ: "عجبًا لأمر المؤمن إنَّ أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سرَّاء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرَّاء صبر فكان خيرًا له ".

ويقول عون بن عبدالله بن عتبة -رحمه الله-: "إنَّ الله ليُكرِه عبده على البلاء كما يكره أهل المريض مريضهم، وأهل الصبي صبيهم على الدواء، ويقولون: اشرب هذا، فإنَّ لك في عاقبته خيرًا".

فقدر الله وقضائه كله خير، وحكمة الله -تعالى- وعلمه لا يمكن أن يدركها البشر، وقد أطلعنا -سبحانه وتعالى- عن حكمة الله في بعض الأفعال، كما جاء في قصة سيدنا موسى -عليه السلام- مع الرجل الصالح في سورة الكهف، قال -تعالى-: ﴿فَانطَلَقا حَتّى إِذا لَقِيا غُلامًا فَقَتَلَهُ قالَ أَقَتَلتَ نَفسًا زَكِيَّةً بِغَيرِ نَفسٍ لَقَد جِئتَ شَيئًا نُكرًا ﴿٧٤﴾ قالَ أَلَم أَقُل لَكَ إِنَّكَ لَن تَستَطيعَ مَعِيَ صَبرًا ﴿٧٥﴾ [سورة الكهف].

تعجّب سيدنا موسى -عليه السلام- من قتل الرجل الصالح للغلام، وهي نفسٌ زكية، فأنكر عليه بقوله (لَقَد جِئتَ شَيئًا نُكرًا)، فهذه الفعلة ينكرها كل عاقل، ومع هذا بيّن الرجل الصالح ما الحكمة من قتله، فقال -تعالى-: ﴿وَأَمَّا الغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤمِنَينِ فَخَشينا أَن يُرهِقَهُما طُغيانًا وَكُفرًا ﴿٨٠﴾ فَأَرَدنا أَن يُبدِلَهُما رَبُّهُما خَيرًا مِنهُ زَكاةً وَأَقرَبَ رُحمًا ﴿٨١﴾ [سورة الكهف]، وتكشف لنا الآيات أنَّ:

  • الله -سبحانه- علمَ أنَّ هذا الغلام إن طال به العمر فسيكون على الكفر، وأنه سيرهق والديه ويعقهما حتى يستجيبا له بالكفر.
  • الله -سبحانه- علم أنَّ موت الغلام لا يعني حرمان الوالدين من الذرية، بل الله سيعطيهما من هو خير منه مؤمن بالله يرفق بهما.
  • الله -سبحانه وتعالى- شاء أن يموت الولد وأن يبدلهما -تعالى- من هو خير لهما منه، وأن يحفظ الله عليهما دينهما.

ومن هذا نتعلم أنَّ للقدر أربعة مراتب:

  • (العلم): علم الله شامل لكل شيء، فهو -سبحانه- يعلم كل ما كان، وما سيكون، وما لم يكن لو كان كيف سيكون، قال -تعالى- عن المشركين الذي يقولون عندما يرون عذاب يوم القيامة، ويسألون الله العودة للدنيا، ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿٢٧﴾ بَل بَدا لَهُم ما كانوا يُخفونَ مِن قَبلُ وَلَو رُدّوا لَعادوا لِما نُهوا عَنهُ وَإِنَّهُم لَكاذِبونَ ﴿٢٨﴾ [سورة الأنعام]، فبيّنت الآيات رغبة الكافرين العودة إلى الدنيا ليؤمنوا بالله، وهذا لن يكون، ومع هذا فإنَّ الله -تعالى- بيّن لهم أنهم لو عادوا، لكانوا على ما كانوا عليه.
  • (الكتابة): كتب الله -تعالى- في اللوح المحفوظ كل ما سيكون، وكيف سيكون.
  • (المشيئة): مشيئة الله -سبحانه- في كل ما يكون في العالم، وبإرادته -سبحانه-، كما شاء أن يموت الغلام، ولم يشأ بقاءه لحكمته -سبحانه- وعلمه.
  • (خلق أفعالنا): أفعالنا مخلوقة، فنحن نختار ما نريد أن نفعله، ولا أحد يمكنه أن يدعي أنَّه مجبور على ما يفعل، فأنا أكتب هذه الكلمات من إرادة مني، بل إنَّ الفكرة طرأت على بالي، ولا أجد في نفسي جبرًا على ما أكتب، ففعلي مخلوق.

وختامًا: اللهم إنَّا نسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة، اللهم إنَّا نعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك لا نحصي ثناءً عليك.