بسم الله الرحمن الرحيم
إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل الله، ومن يضلل فلا هادي له، وصلِّ اللهم وسلم على سيد الأولين والآخرين، وإمام المرسلين، وقدوة السائرين، محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه أجمعين.
سبحانك ربنا ما أعظمك وما أكرمك، خلقتنا وأوجدتنا من العدم، وقد كنا نسيًا منسيًا، ورزقتنا ورعيتنا ولما خلقتنا هيئتنا، وللنجدين هديتنا، فمنا المسلمون ومنا القاسطون، فمن أسلم فأولئك تحروا رشدًا، وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبًا، أرسلت لنا الرسل وعلى الفطرة جعلتنا، بيَّنت لنا الحسن والقبيح، رغبتنا ورهبتنا، ولتقويم نفوسنا دعوتنا، وبمحاسبتها ومتابعتها أمرتنا، وقلت -سبحانك-: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا ﴿٩﴾ وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا ﴿١٠﴾ [سورة الشمس]، فهنيئًا لمن وقف مع نفسه وقفة محاسبة ومتابعة، وألزمها أمر الله، فقد كان سلفنا الصالح أشد حرصًا على مجاهدة النفس وتقويمها:
قال سفيان الثوري -رحمه الله-: "ما عالجت شيئًا أشد عليّ من نفسي، مرة لي ومرة عليّ".
وقال ابن القيم -رحمه الله- محذرًا وموضحًا: "سبحان الله، في النفس كبر إبليس، وحسد قابيل، وعتو عاد، وطغيان ثمود، وجرأة نمرود، واستطالة فرعون، وبغي قارون، ووقحة هامان".
وقال مالك بن دينار -رحمه الله-: "رحم الله عبدًا قال لنفسه: ألست صاحبة كذا؟! ألست صاحبة كذا؟، ثم زمّها، ثم خطمها، ثم ألزمها كتاب الله -عزَّ وجلَّ- فكان لها قائدًا".
وقال أبو زيد -رحمه الله-: "ما زلت أقود نفسي إلى الله وهي تبكي، حتى سقتها وهي تضحك".
قال الحسن البصري -رحمه الله-: "رحم الله امرءًا عرض نفسَه وعملَه على كتاب الله؛ فإن وافق كتاب الله حَمِد اللهَ وسأله المزيد، وإن خالف أعتب نفسه ورجع من قريب".
فالنفس بحاجة للمتابعة والمحاسبة باستمرار، وإلا أفلتت وصعب عقالها.
وفي الصفحات القادمة أردت -بعد توفيق الله- عرض مواقفًا وقصصًا تمر بنا في الحياة، ومع مرور الأيام، ولعل تكرارها ومعاودتها تُشكل أفكارنا وتصرفاتنا، ومنهج حياتنا.
لتكن لنا وقفات في الصفحات القادمة مع مواقف من التاريخ، وأخرى من حياتنا، وثالثة قصص للعبرة وليدة الفِكر الإنساني، مع تغير بعض الأفكار وتجددها، واستجابتها للمتغيرات الخارجية.
فنقف معًا مع كل قصة وحادثة، ونعرض أنفسنا على ميزان القصة، فنتعلم ونتعظ ونتدبر، ونرتقي بأنفسنا إلى ما يرضي ربنا -عزَّ وجلَّ-، وهو الموفِّق لكل خير.
وَقِفُوهُمْ ۖ إِنَّهُم مَّسْـُٔولُونَ
هل سمعت عن شخص أراد أن يخرج للسياحة، فجمع كل ما يحتاجه من أغراض وحاجيات، تعينه على قضاء وقت جميل ومريح وهادئ في رحلته، التي أعدَّ لها منذ شهور، ولكنه غفل وتغافل عن أهم شيء يجب أن يحمله معه، ومضى يتمم أموره، وعندما حان وقت السفر، حمل أمتعته، وذهب إلى المطار، وفجأة تذكر أنَّه نسي إحضار ما يتثبت هويته، نسي ورقات تحمله إلى مبتغاه، ولا يمكن أن يقوم مقامها أي شيء من متاعه الذي اصطحبه، ولكنها قد تغنيه عن غيرها... نسي جواز سفره!
من حسن حظه أنَّه قد يتمكن من الرجوع إلى بيته ليأخذ جواز سفره، ثم يعود للمطار، ولو فاتته الطائرة وخسر بعض ماله، لكنه ما زال يستطيع السفر.
ولكن هناك رحلة لا يستطيع فيها العودة، ولا يُسمح له إلا أن يحمل معه شيئًا واحدًا (عمله)، ولكن.. قد لا يمهله الوقت ليجمعه أو يجلبه إن لم يكن معه، ومع هذا.. فإنَّ كثير منا -إلا من رحم الله- يغفل عن هذه الرحلة والاستعداد لها، وهي -والله- الأَولى، فهي رحلة العمر التي لا بُدَّ لكل منَّا أن يركبها... ثم نغفل عنها! ما أعجب حالنا، وإلى الله نشكو عجزنا وضعف همتنا.
لنتأمل معًا قوله -تعالى-: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ ﴿٢٤﴾ [سورة الصافات].
أجل هي وقفة ومحاسبة لا بُدَّ منها، أمام الله -عزَّ وجلَّ-، الملك الجبَّار الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات والأرض، يسألك ويحاسبك أيها العبد الفقير الذليل، وهو أعلم بك من نفسك ولكن ..... (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ)..
عن مشاعرهم، عن كلماتهم، عن أماناتهم، عن أبنائهم، عن أرحامهم، عن أموالهم، عن مجتمعاتهم، عن دينهم... قائمة طويلة، عن زلاتهم وغدراتهم، عن أخطائهم وفجراتهم، عن خلواتهم وجلواتهم، عن تجبرهم وطغيانهم، عن بغيهم وفسادهم، عن ظلمهم لرعاياهم، وعن عبثهم في بلدانهم، لأنَّ المسؤولية أمانة، وعدم القيام بها حق القيام خيانة، وهي يوم القيامة خزي وندامة، فاحذر! وتذكَّر، واعمل، وأعد الجواب للسؤال.
اللَّهُم وفقنا لما تحب وترضى..